علوم

علم Epigenetics وتفعيل الجينات

كتب بواسطة خليل سليم

ما هو علم Epigenetics

حسنا، دعونا نعود للعام 1944 وخصوصا الشتاء القارص في أوروبا، حيث كانت ألمانيا تحتل هولندا، وتفرض عليها حصاراً شديداً في ذلك تلك الأيام، مما اضطر الناس إلى تقليل الطعام والاقتصاد فيه لأعلى المستويات وصولا لمرحلة المجاعة في مناطق كثيرة، ثلث كميات الطعام كانت تستهلك، وحوالي 20 ألف شخص ماتوا خلال عام، وقد اضطر الناس إلى أكل العشب ونباتات التوليب، بالإضافة إلى حرق الأثاث لكي يحصلوا على بعض التدفئة، وعرفت هذه الفترة باسم شتاء الجوع الهولندي أو شتاء الجوع أو المجاعة الهولندية Dutch famine.

جميعنا نعلم أن الجوع ونقص التغذية يؤثر سلبا على صحة الإنسان، ولكن ماذا عن التأثير على صحة أبناء هؤلاء الجوعى، وأبناء أبناءهم، أي كل سلالتهم من بعدهم ؟

نتيجة للسجلات الصحية الجيدة في هولندا، تمكن العلماء من ملاحظة هذه السلسلة من التجارب الحية للمواليد وأوزانهم وصحتهم بعد عقود من إنتهاء الحرب العالمية الثانية، وإنتهاءً بنتائج مذهلة وغريبة.

ما وجده العلماء هو أن الأطفال الذين كانوا في أشهرهم الأولى في الحمل من هذه الفترة المليئة بالجوع كانت ولادتهم بأوزان طبيعية، لكنهم عانوا من سمنة في سنوات حياتهم اللاحقة !

أما الذين عانوا من المجاعة في أشهر الحمل الأخيرة، كانت ولادتهم بوزن أقل من المتوسط، وبقوا كذلك لبقية حياتهم، وبمعدل أقل من متوسط الوزن للناس من حولهم.
العجيب أيضا أن هذه الصفات تم توريثها إلى أبنائهم أيضا، أي الأحفاد (الأجيال التالية) من الأمهات التي عانوا من الجوع، مع أخذ الاعتبار أن طبيعة أكل الناس عادت لما كانت عليه قبل الحصار، وأنه لا مشكلة في التغذية

يشير العلماء إلى أن التغييرات هذه في متوسط الأوزان عائدة لتأثيرات البيئة في جينات الناس وليست عائدة إلى مشاكل التغذية، وفي وصف آخر أن الظروف الخارجية على الجينات أدت إلى تغييرات طويلة موروثة على الأحفاد ! لحظة أليس هذا ما كان يعتقده الناس ويقولون عنه تطور ؟

من المنطقي أيضا أن التغييرات البيئية ليست بالقدر الكبير والكافي لكي يتغير ترتيب الDNA حيث ما زال الأبناء حصلوا على جيناتهم من أبائهم وأمهاتهم في فترة قصيرة، أي أنه يجب أن يكون هنالك مفهوم آخر لطالما كانت الجينات هي نفسها، فيجب أن يكون هنالك عوامل أخرى أثرت على شكل الجينات التي يجب أن تتفعل في هذه الظروف القاسية، يقول العلماء أنهم حددوا هرمون شبيه بهرمون الأنسولين الشبيه بهرمون النمو insulin-like growth factor II (a protein coded for by the IGF2 gene) بأنه الهرمون المسؤول عن هذا الأمر!.

رحبوا معنا بعلم فوق الجينات Epigenetics

يقول الدكتور Bas Heijmans فوق الجينات هي الآلية التي يتم من خلالها موائمة أو تطوير الأشخاص للظروف السريعة المحيطة، ومن الممكن أنها السبب الرئيسي المؤثر على أطفال شتاء الجوع الهولندي.

عالم الأعصاب Oded Rechavi في جامعة تل أبيب يقول أن هؤلاء الأطفال بدا عليهم التأثير الكبير الوراثي من خلال جوع آبائهم.

سبق وكتبت عن آلية عمل الفوق جينات في الرابط بالأعلى، والمشكلة في دراسة هذا العلم هو ملاحظة تأثيره على الأجيال المتلاحقة يحتاج إلى وقت كثير، وكذلك هو علم جديد وبالتالي الملاحظات بدأت تسجل من جديد.

الدراسات على عظام أبقار البيسون bison bones في منجم الذهب الكندي أشارت إلى أن الفوق جينات كان لها أثر كبير على التغييرات الظاهرية في أجسام هذه الأبقار لتواجه تغييرات المناخ وتتكيف معها، وهذه التغييرات أسرع بكثير من التغييرات التقليدية التي يرسمها نموذج التطور الداروني في الانتخاب الطبيعي، وهذا ما تقوله دراسات جامعة Adelaide عبر دراسة العظام ودراسة تفعيل بعض الجينات وتعطيل أخرى في نفس ال DNA بدون وجود تغيير على تسلسل ال DNA نفسه، بدون وجود عملية تطور كما هو التطور لقياسي الذي يفرضه التطوريون.

سبق وتحدثنا عن فئران الأغوطي، حيث تم تفعيل بعض الجينات في نفس سلسلة ال DNA وتعطيل أخرى فتم ولادة فئرن مختلفة الشكل واللون مع أنها تتبع نفس تسلسل ال DNA وذلك عبر إطعام الأم فيتامين بي 12 .

يقول التطوريون في الدارونية الجديدة أن الطفرات والانتخاب الطبيعي هي السبب الأساسي للتنوع الحيوي على الأرض، وهو ما يجعلهم يعارضون بشدة ما توصل إليه علم فوق الجينات، وما زالوا يصرون على أن التطور عملية بطيئة وطويلة والطفرات العشوائية هي المسؤولة عن هذه التغييرات الهائلة !

يقول علماء فوق الجينات أن الأمر لا علاقة له بالتطور بل هو موجود فعليا داخل تسلسل الDNA الحالي، وجود مجموعة كبيرة من الجينات التي تنتظر عوامل معينة من البيئة لكل تتفعل أو تتعطل في الكائن الحي، مثل وجود صفحات في كتاب مثنية، تنتظر أن تصل إلى فصل معين لكي تفتح للقارئ حسب أو حسب ظروف معينة يحددها الكاتب.

وهذا ما يقود العملاء إلى أن هذا ليس تطور، بل هي جينات موجودة ومكتوبة في دليل الكائنات تتفعل أو لا تتفعل بناء على أمر ما، وليست أمور إضافية لم تكن موجودة في تسلسل ال DNA وفجأة ظهرت إليه، وهو ما يذكرنا بفكرة من أتى أولا الدجاجة أم البيضة، وهي المعظلة التي كانت تحير التطوريون.

لا ننسى أن نشير إلى أن العلماء دائما ما كانوا يعتقدوا أن الجينيوم البشري على سبيل المثال معقد أكثر مما نتخيل، وأن كل جزء به مهم وله دور، إلا السيد دوكينز أبو الجين المهمل Junk DNA حيث قال أن ما يفوق ال 90% من الجينيوم الحالي لا قيمة له وهو نتاج عمليات تطورية وجينات ورثناها من أسلافنا، وهو ما كان له دور سيء على عقلية بعض الناس في فهم فوق الجينات، وقد أشار الدكتور Denis Noble في ورقة بحثية إلى أنه بعد ما توصل إليه العلم في علم فوق الجينات، يجب على التطورويين إعادة كتابة نظريتهم بطريقة جديدة لأنها كانت تعتمد على الطفرات والانتخاب قبل معرفة فكرة فوق الجينات ودورها !

Denis Noble

طبعا لا ننسى العالم الفرنسي لاندمارك حيث سابقا كانت له فكرة، الصفات الوراثية المكتسبة من الصفات الأبوية، مثل أن طول عنق الزرافة مكتسب من أباء الزرافة التي أطالت رقبتها لتصل إلى الأشجار الطويلة، وهو ما رفضها علماء التطور من بعده في أماكن كثيرة، ولكن العالم Denis Noble يرى أن ما يقوله لامارك أقرب للحقيقة من باقي نظريات التطوريين الجديدة! وذلك بالاعتماد على علم فوق الجينات الذي بين أيدينا.

يقول البرفسور Alan Cooper من جامعة Adelaide’s ما خلاصته أن التغييرات السريعة في الصفات الوراثية للتكيف مع تغييرات المناخ السريعة، ليست ناتجة من عملية تطور تعتمد على الانتخاب الطبيعي والطفرات، بل هي أقرب لما يقوله علم فوق الجينات، وهو ما يجيب أسئلة كثيرة كنا نسألها وننتظر الإجابة عليها، وهو ما يبين أن الخالق قد كتبها وكانت أحد التقنيات التي أوضعها في خلقه لواءمة التغييرات البيئية الكبيرة.

Professor Alan Cooper

العديد من الظواهر الواضحة مثل الريش والجلد والألوان وغيرها ظاهرة بقوة في علوم فوق الجينات، لتبين أن الشيفرة الوراثية مبرمجة على هذا النمط مسبقا، وليس أمر طارئ نتيجة التطور، وأن ما يحصل هو تفعيل جينات أو تعطيلها حسب الكود البرمجي لا أكثر، وأن الأمر يعدو كونه أكبر من مجرد اللون حسب الدراسات، لربما أعضاء كاملة مثل اختفاء غدد الزيت في الفيلة الحالية، وهو ما لم يكن في أجدادها الماموث! وهو ما قد يفسر شكل وتصميم الأسنان المختلف بين أنواع الفصيل الواحد.

المصدر

https://creation.com/epigenetics-challenges-neo-darwinism

عن الكاتب

خليل سليم

اترك تعليق

عشرين − ستة عشر =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.