عام

إنتهاء شركات البرمجيات في غزة

كتب بواسطة خليل سليم

نسمع ما يقال دائما بخصوص شركات تطوير البرمجيات في ظل الحصار المفروض على غزة، أنه يمكنها العمل أونلاين عبر الإنترنت ولا عوائق لها، وهذه خطوة ممتازة للشركات لتخطي الحصار والإنتاج والإبداع، ولكن إلى أي مدى هذه الجملة صحيحة؟

في العمل التقليدي، حيث يكون صاحب العمل هو كل شيء، والأجير مجرد عامل يمكن استبداله أو التخلي عنه بمجرد إنتهاء المهمة يمكن لنا كشركات تحت الحصار أن نعمل بسهولة مع الخارج، فالشركات في الخارج تريد مدخل بيانات، أو مبرمج، أو مصمم، أو مترجم أو أي تخصص بسيط متواضع فإنها تجده بسهولة.

كلمتي في أحد مشاريع تحسين قطاع التكنولوجيا في غزة

لكن بناء شركة وطنية محترمة يشابه بناء صرح كبير حيث يتطلب إدارة وقدرات معينة والعامل البسيط الذي يحمل مواد البناء لا شيء فيها، فهو عامل يستبدل من أي مكان في العالم، وأقصد هنا أنه يمكننا أن نعمل كعمال في الخارج، لكن العمل كعمال لن يبني لنا شركة برمجيات محترمة.

في ظل تطور التكنولوجيا الفائق، أمست البرمجة التقليدية مثل برمجة المواقع أمر معقد، لا أتكلم عن موقع بسيط ووردبريس ب400 دولار، بل أتكلم عن منصة محترمة لا تقل عن 100 ألف دولار ويدخلها آلاف الزوار، فأنت في هذه الحالة بحاجة إلى مصمم واجهات ذكي UX-UI وبحاجة إلى مصمم ومبرمج صفحات ويب يستخدمون أحدث التقنيات، وخبراء في الأمن والحماية، وخبراء في الذكاء الاصطناعي، وخبراء في التسويق، وخبراء في التصميم، وخبراء آخرون متنوعون. ولكن ألا يتوفرون في غزة بسهولة ؟ الإجابة لا للأسف، والأسباب كالتالي:

1- لو جمعت كل المحترفين في مجال مثلا الأمن والمعلومات في غزة لما وجدتهم يزيدون عن 20 شخص حاليا، وستجد فقط 2 أو 3 منهم متفرغون مؤقتا والباقي إما يعمل في شركة أونلاين (كعامل أو أجير) أو يستعد للسفر، وهذه نقطة سيئة للشركات المحلية، كل الخبراء إما سافروا، أو يستعدوا للسفر، فبالتالي أي مشروع يجب أن تأخذه أي شركة كبير نسبيا يجب أن تبحث عن مبرمج خارجي (وبالتالي لا تنمو الشركات ولا القطاع نفسه لأسباب كثيرة) أو هي بحاجة لأن تقدم عروض كبيرة للمبرمجين المحليين العاملين أونلاين لكي يتركوا الشركات الأجنبية وهذا أمر محال، لأن الشركات بغزة لكي تنافس تطلب أسعار ليست عالية، وبالتالي لن تستطيع مجاراة رواتب الشركات الأجنبية، وهذا يعني أن الشركات لن تستطيع أخذ مشاريع تزيد عن 20 ألف دولار – في البرمجة وليس التسويق – إلا نادراً أو مصادفة.

2- مجالات حديثة مثل الذكاء الاصطناعي غير موجودة في غزة، وقد عملت شركتنا محاولة بناء فريق في هذا المجال، وبصعوبة استطعنا تدريب مهندسة واحدة فقط وباقي فريق المتدربين جلس إما لأنه يبحث عن وظيفة سريعة، وإما لأنه رأى أن الطريق طويل والطلب نادر على الذكاء الاصطناعي في غزة فبحث عن أمر أكثر جدوى.

فكرة عدم وجود خبراء في غزة في مجال الذكاء الاصطناعي أو الأمن السيبراني أو الواقع المعزز أو التكنولوجيا الحيوية، أو الواقع المختلط أو البيانات الضخمة أو معالجة النصوص أو معالجة الصوتيات الطبيعية أو السيارات الذكية أو البلوكتشين وغيرها من التقنيات، يجعلنا في ذيل الأمم، العالم يمضي وما نقدمه للعالم مجرد تكنولوجيا مهترئة لا يمكنها أن تصمد إلا لمن يبحث عن لقمة عيشه ولا يفكر في الغد.

3- عدم وجود سفريات وبعثات وفعاليات رسمية لمساعدة قطاع التكنولوجيا في غزة سيبقي الحال عليه كما هو وسيبقي التميز حكراً للعباقرة الذين يستخرجون المعرفة من فم السبع، فالقراءة لا تكفي في مجال التكنولوجيا، يجب الممارسة، وأين سيمارس شخص مثلا ما قرأه في مجال السيارات ذاتية القيادة هنا !.

يوجد بعض المؤسسات على رأسها اتحاد شركات الكمبيوتر (بيتا) ولكنها لا تكفي لأن الدعم الحكومي قليل بل وعائق في موضوع الترخيص والضرائب ومساعدة الشركات وتسهيل إجراءاتها .. إلخ، ولا توجد رؤية وطنية استراتيجية كما في الهند أو أي دولة أخرى، لم نفهم بعد أن اقتصاد الدول يمكن أن يبنى على التكنولوجيا كما تفتخر أمريكا أم جوجل وأبل ومايكروسوفت، وفرنسا واليابان أم شركات الألعاب وغيرها من الدول.

4- ومن قال أنه لا يوجد عوائق في العمل ! أي حوالة مالية تزيد عن 5000 دولار يحولها أي شخص من السعودية يتم مساءلته أمنياً، ولو تكلمنا في الجد 5 آلاف دولار هي راتب مبرمج واحد أو اثنين يعملون في مجال الذكاء الاصطناعي، فكيف ستحول راتب شركة بها 20 مبرمج أو 200 مبرمج !، كل الطرق الالتفافية صعبة ومخاطرة ولا تقبلها الشركات الدولية المحترمة، أساسا بمجرد سماعهم بأنك من فلسطين وخصوصا غزة سيهربون منك ويستعيذون بالله من اتصال جهاز الأمن لديهم.

بل وحتى الحوالة من الضفة شق الوطن الآخر تتطلب موافقة أمنية من الأمن الفلسطيني ومن الأمن الإسرائيلي ! فما بالكم بمن هم بعيدون عنا في أوطان أخرى !.

5- العمل الحر والتعهيد كذبات سمجة لا تبني اقتصاد أو تبني شركات حقيقية، وأتمنى ألا يخرج شخص ويقول ألا ترى اقتصاد الهند، لأنه في هذه الحالة سيكون ذو رؤية قاصرة.

في العمل بالتعهيد يكون المبرمج عامل في شركة أخرى ولكنه يجلس في غزة، تدربه الشركة الدولية كما تدرب قرد على إدخال حصوة في أنبوبة، وبعد إنتهاء العمل لا يعرف القرد حقيقة ماذا عمل ولماذا أدخل الحصى بالضبط، هو مجرد ألة بشرية تنفذ غالباً أوامر الشركة الأجنبية ولا يمكنه العمل بسهولة لاحقا على أي مشروع في شركة محلية، لأن خبرته في إدخال الحصى في الأنبوبة هي للشركة الأجنبية وتختلف كثيراً عما نريده في غزة، وأعتذر عن التشبيه لكنها الحقيقة المرة، هو ترس في آلة، فلا الترس يعرف لماذا وضعه المصمم هنا، ولا الآلة تفهم الهدف منها، من يفهم كل الصورة هو المصمم، وبالتالي نحن تروس ولسنا بناة.

يمكن للشركات أن توظف حتى 20 شخص مثلا في مجال التعهيد، ولكن كم ستربح الشركة ؟ على كل رأس ستربح 400 دولار ؟ اخصم نصفهم إيجار وكهرباء ومولدات واستهلاك يصفى 200 دولار للشركة، أي 200 دولار ضرب 20 مبرمج يساوي 4000 دولار شهريا، هزلت، وهل ال4 آلاف دولار نقود في مسمى الشركات ! إنها ذر الرماد في العيون، وتقول لك الشركة المشغلة للمتعهدين، لدينا 20 موظف يعملون بالتعهيد !!!!!! يا عزيزي ال20 موظف يدخلون عليك راتب مبرمج iOS واحد محترف، وأنت لا تعرف أصلا ماذا يعملون، أنت شخص يؤجر مخازن بيته ويأخذ تكلفة الإيجار، والمختلف أنك لا تؤجر مخازنك بالضبط، بل تؤجر المخزن بالآلات التي به.

لا أجد واقع به أمل لأكتب غير هذا الواقع الحاصل للأسف، وأول خطوة في النهضة تحديد المشكلات الموجودة لوضع خطة لحلها وثم النهوض بالخطوات لاحقا.

هذا وبالله التوفيق.

عن الكاتب

خليل سليم

اترك تعليق

5 × اثنان =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.