d المنافسة بين الإنسان والآلة، من الفائز؟ – مدونة الفريق

المنافسة بين الإنسان والآلة، من الفائز؟

حسناً الجواب المختصر هو الآلة، أما لماذا فدعني أعرض عليك وجهة نظري، والمقصود بالآلة هنا ليس الروبوت، بل العقل المشغل له ولغيره من الأدوات الذكية، وأبدأ المثال من مجال قديم نسبياً، إذ أن عقل الآلة هزم الإنسان في الشطرنج، بحيث لا يمكن لأمهر عقل في الشطرنج لدى البشر أن ينجح في هزيمة الآلة ولو كانت الآلة تلعب بقطع ناقصة، فمثلا تقييم (ELO) أعلى لاعب في العالم هو ماجنس كارلسون ب 2882 نقطة أما المحركات الحديثة فتصل إلى ما يقارب ال4000 نقطة!، وكل 5 نقاط تصنع فرق هائل، ويمكنكم قياس الفرق هنا، مع العلم أن الآلة بشتى أنواعها هزمت الإنسان في الشطرنج، فمحرك Stockfish الذي يعتمد على قاعدة بيانات ضخمة من الحركات ويعمل عبر خوازميات الشبكات العصبية، هزم الإنسان، ومحركات مثل AlphaZero و LeelaZero تعتمد على تعليم الآلة، وذلك بتزويدها بقواعد اللعبة البسيطة وتركها تلعب ضد بعضها ملايين المرات لتطور نفسها إلى مراحل تعدت كل مراحل التفكير البشري، والسبب بسيط هنا إذ لا يمكن لإنسان أن يلعب في سنين حياته الفانية هذا العدد من المباريات، كذلك لا يستطيع تذكرها كلها، وهنا تبدو المقارنة بين لاعب عمره في الخبرة 40 عام أي أقل من 100 ألف ساعة لعب، مقابل لاعب عمره في الخبرة آلاف السنوات، وبملايين ساعات اللعب!

ولكن لماذا هذا التفوق!

في عام 2016 وفي نقاشي مع دكتوري في البحث العلمي قلت له يستحيل أن يصل الذكاء الإصطناعي إلى محاكاة الطبيب الماهر في كشف الأمراض، فسألني ولم هذا؟ قلت له لأن هناك كمية معلومات ضخمة يحفظها الطبيب الماهر عن الأمراض، كذلك بسبب خبرته يلمح هناك بعض الأعراض التي تتنامى لديه بعد دراسته ومتابعتها في الميدان. فكان رده، إذا كانت المعلومات التي يدرسها الطبيب موجودة في الكتب في النهاية، فالذكاء الإصطناعي يصل إليها كما يصل لها الطبيب، بل ويصل إلى مخازن معلومات وكتب ضخمة في شتى مجالات الطب، تجعل المحرك الواحد كما لو أنه 10 آلاف طبيب ماهر مختص في مجالات طبية مختلفة، وتجعل الربط بين المعلومات والتخصصات أمر يعجز عنه الطبيب الماهر المنفرد، أما بخصوص خبرة الطبيب، ففي النهاية إما هي مدونة في كتب وتجارب، أو سيقوم هو بتدوينها ونشرها بطريقة ما، وسيراها الذكاء الإصطناعي كما يراها الجميع، وهذا ما نراه حدث بعد عدة أعوام، خلال أقل من عقد سبق الذكاء الاصطناعي الجميع.

وهذا يأخذنا للسبب، والأسباب هنا كثيرة لتفوق الآلة، ذكرنا منها في مثال الشطرنج، والطب إذ: 1- التدريب العالي: إذ يدرب البشر الآلة ملايين المرات فتصبح كأنها سرمدية في الوجود والخبرة. 2- المعلومات الوفيرة: تتزود الآلة بملايين المعلومات الجمعية، والتي تجعل آلاف العقول تفكر في لحظة واحدة وبحجم دماغ إجمالي لكل هذه العقول مجتمعية على التوالي وليس على التوازي وكأنها عقل كبير واحد. 3- السرعة: فلاعب الشطرنج الذي يحسب 3 نقلات في الثانية، يواجه محرك شطرنج يحسب إلى ما يزيد عن 100 مليون نقلة في الثانية، وهنا تبدو المقارنة أكثر وضوحاً للتفوق الاصطناعي على البشري 3 مقابل 100,000,000. 4- لا يوجد خطأ: الأخطاء البشرية كالعاطفة والخوف والنسيان والمرض والملل والرغبات والضغط والإحباط تتلاشى أمام الآلة، وهذا عامل مهم، غياب العامل الإنساني في عمليات التفكير.

طفل أذكى من آلة

إذن جمل عاطفية من أن ذكاء الآلة لا يتعدى فهم طفل عمره 7 سنوات وغيرها من الصور لا تنجح في تغيير الواقع، إذ أن الذكاء الاصطناعي آلة مدربة بحرفية عالية من آلاف البشر لتقوم بدورهم، ولذا فهي آلاف البشر يقومون بالعمل في لحظة جمعية واحدة في الذكاء وهذا كله بين يديك أيها الإنسان، وهنا نفهم أن المقارنة ليست دقيقة، فلا مقارنة بين سرعة الفهد وطول رقبة الزرافة، ولكن المقارنة بين سرعة الفهد وسرعة الفيل ممكنة، والمقارنة بين مهارة الآلة في كتابة مقال وبين مهارة طفل في كتابته هي أدق من المقارنة العامة.

أما عن الابتكار، فهو مرتبط في كل مجال منفصل، وكل مجال منفصل يحدثت فيه التطوير، يمكن للإنسان الآن أن يوجه الذكاء الإصطناعي لكي يقوم بالجهد الكبير في إنتاج الفكرة البشرية أو قياسها قبل إطلاقها، وفي كثير من الأحيان الآن يمكن للآلة أن تتفوق في الابتكار، إذ الابتكار يكمن في إضافة جزء صغير على جزء كبير سابق، وهذا ما يحدث في أي مشروع ريادي، أما إبتكار علم كامل من لا شيء، فهو ما زال بين أيدي البشر، ولكنه سيتضاءل بسبب إراحة العقول والاعتماد على الآلة، بل ويمكن الإنتباه إلى أن دور الآلة تحول اليوم من منافس إلى مدرب أو موجه لتطوير القدرات. فمثلاً في الشطرنج فإن جميع اللاعبين المحترفين يستخدمون المحركات لتحليل أدوارهم واكتشاف أفكار جديدة لم تكن تخطر على بال العقل البشري.

أين الخطر على الموظف؟

الثورة الصناعية التي أدت إلى استبدال الإنسان بالآلة البخارية، ها هي تعود، فسيتم استبدال الكثير من الوظائف بالذكاء الاصطناعي اليوم، لأن الآلة أدق وأسرع وأرخص وبلا تعقيدات بشرية، بل وسينخفض مستوى المهارة البشرية والقدرة على الابتكار بسبب الكسل الذي سينتج في العقول البشرية، والموظفين الجدد سيكونون أسوأ، إذ هم اعتادوا طوال فترة الدراسة على الراحة، إلا طبعاً القلة القليلة التي ما زالت تستخدم الآلة لتطوير نفسها.

أين الخطر على البشرية؟

الضعيف يحاول أن يقلد القوي، والأمة المهزومة تحاول أن تقلد الأمة التي انتصرت عليها، بل تصبح مولعة بقدرات عدوها وترغب في أن تصبح مثله. هذا سيقود إلى ميول بشرية روبوتية ستجعله يغير من هيئته وقدراته لكي يصبح أكثر قوة وأقرب للآلة وهذا هو موضوع كتابي الجديد، إذ سيحاول البشر أن يصبحوا أقل بشرية، وأكثر آلانية.

أين الخطر على الكوكب؟

حسنا قد يرى البعض أن الخطر الحقيقي هو ما قد يحدث في في صعود الروبوتات كما في Terminator أو صور أخرى عديدة عرضتها الروايات والأفلام، لكن الخطر الحالي أبسط من ذلك بكثير، إذ هو ما رآه الصباح نور في تشارلز إكزافيو (يمكن مشاهدة فيلم X-Men Apocalypse) إذ رأى قدرة على الوصول لآلاف العقول في لحظة واحدة، وهذه العقول تصل بدورها إلى آلاف الآلات والأجهزة والأنظمة التي تتحكم في الكرة الأرضية، فيمكنه فعل ما لا يمكن أن تفعله دول عظمى في لحظة واحدة، وهو ما صرح به رئيس شركة أنثروبيك للذكاء الاصطناعي، أن النظام لديهم يستطيع فعل ما لا تستطيع البشرية تخيله وفهمه.

هل هناك أمل؟

هناك سببان سيدفعان التطور هذا إلى الأمام، ولا مجال للعودة للخلف، السبب الأول هو جشع الشركات، فهي تسعى لتعظيم الربح مهما كان، وستبقى تطور أنظمتها لبيعها وتحقيق الربح، أما السبب الآخر فهو بشري، وهو الرغبة بالابتكار والتقدم والإنتاج دون النظر للصورة الإجمالية، ويعزو جزء من هذا الأمر لعقد داخلية لدى البشر، إحساسهم بالنقص، ولربما رغبة دفينة بالخلق، وصناعة عبيد جدد، تكرار سيناريو بروميثيوس.

ما الخلاصة؟

نحن نعيش في عصر الآلة سبقت الإنسان وهزمته، ونحن في عصر بداية تفوق الآلة على القدرات البشرية واستبداله، ولكننا بحاجة إلى بعض الوقت لفهم هذا الأمر في حياتنا.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.