تبرئة كتاب أصل الأنواع

مرة أخرى والحديث عن التطور المزعوم، والتشبت بخيالات واهية لا مجال لها من الصحة في الأوساط العلمية، إلا فقط في عقل شخص لا يعلم كليا ما يقرأ، أو شخص مؤدلج كليا.

اضطررت للأسف قراءة كتاب أصل الأنواع لتشارلز داروين، حتى أعود حقيقة إلى ما قاله هذا الراجل صاحب الملاحظات الجميلة، كنت سابقا قد قرأت فقرات واقتباسات من كتابه، لكن لشدة تعبد التطوريون بداروين اضطررت للقراءة عن هذا الإله المقدس، وما كان قد كتبته في كتاب أصل الأنواع يؤكد في الكثير من فقراته أن التطوريون كاذبون لدرجة الإعجاز، أو أنهم جاهلون لدرجة الصخر، وسأدمل ملاحظاتي بنقاط حتى لا يمل القارئ.

  1. كتاب أصل الأنواع في زمانه لم يكن الأول في ملاحظاته، لكنه كان قد شمل الكثير من الأمور التي قيلت في زمانه، ولهذا يعتبر ذا ضجة كبيرة، ولحقته كتب أخرى لتشارلز داروين كانت ذات أثر كبير هي الأخرى مثل كتاب أصل الإنسان The Descent of Man.
  2. الكتاب يتحدث عن مشاهدات داروين في رحلته على متن البيجل، وتدوينها في شكل نظرية بسيطة، كما يفكر كل طفل أو كل عالم ويدون أفكاره البسيطة على الورق، حتى يحفظها ثم يبحث عنها لاحقا، وليس الهدف منها تثبيت حقائق علمية في المجمل، إلا أنه تراه ينجرف قليلا حول أفكاره، وهذا بنظري أمر طبيعي.
  3. في كل كتابات داروين كان يتكلم عن نظرية، نظرية وليست حقائق، مثلا أن يقول أنني رأيت حيوان أ، يشبه حيوان ب في كذا وكذا، فعلى ما يبدو أن حيوان أ كان سابقا حيوان ب ، وهكذا، لا يؤكد ما يشاهده على الإطلاق، وإنما يطرح أفكار.
  4. كتاب أصل الأنواع في زماننا كتاب لا قيمة له في ظل التطور العلمي، الكتاب كتب في حدود سنة 1850 ، أي في أيام لا يمكننا أن نتخيلها، لأننا لا نستطيع على سبيل المثال تخيل الحياة قبل 15 عام بدون إنترنت، وقبل 5 سنوات بدون الفيسبوك وغيرهم، فما بالكم بسنة 1850، الكتاب حقيقة كلامه ممل جدا لشخص في القرن الحادي والعشرين، وكأنه يقرأ كتاب سحر قديم، أو كتاب أثري فرعوني، للأسف لم يشدني الكتاب، لكني اضطررت لقراءته، حتى لا أكون قد تركت أثر لم أعد له.
  5. في كتابات داروين، كان يذكر جملة إذا كان افتراضي صحيح، إذا كانت نظريتي صحيحة، فإنه يجب أن يكون كذا وكذا، وللأسف في كل افتراض كان يتوقعه أنه خطأ، كان ظنه في محله، العلم من سنوات طويلة أثبت أن التطور في هذه الجزئية خطأ، وأن داروين توقع ضعف النظرية ومشاكلها بشكل صحيح، والعلم الحديث لم يتوصل إلى تخطيء داروين، بل نفي العكس، وتوضيح أن الموجود هو نتاج عملية خلق مبدعة جدا تحت بند مثلا التعقيد الغير قابل للاختزال.
  6. يتكلم داروين عن المتحجرات، ويقول لو كان افتراضي صحيح سنجد آلاف الأشكال الانتقالية، وهو ما لم يحدث، ويقول عن العين شيء مبهر، يقول أن العين تجعل نظريته في مهب الريح، فالكمال في عيون الكائنات أمر مدهش، في الإنسان، وفي حيوانات قديمة، كثلاثيات الفصوص، الكمال هذا مدهش لدرجة أنه يجب أن يكون هكذا موجود مرة واحدة، ويقول وكأن خالقا قد أوجده، ويتكلم بالضبط كما يتكلم العلم الحديث عن التعقيد الغير قابل للاختزال، Irreducible Complexity ، ويقول أن العين يجب أن تكون وجدت هكذا، ما يدهشني في التطوريين الكذابين كذب التطوريين، حيث داروين ينهي نظريته بشكل كامل في صفحات تتكلم عن العين، وهم قد أهملوا هذا المقطع، وأهملوا آلاف المقاطع المبنية عليه بلمح البصر، كما يهملون ملايين الحقائق العلمية من حولهم، ويتشبتون برواياتهم الخيالية التي لا يدحضها العلم فقط، بل ويثبت أن الكائنات وجدت نتيجة خلق، وليس أي خلق، بل خلق من خالق يتحدى عقول العالم أجمع، أن يأتوا بجناح بعوضة، ولن يأتوا ولو بعد آلاف السنوات، فالأمر يفوق قدرة العقول البشرية مجتمعة.
  7. بعد الفقرة الأخيرة السادسة، ما يثير دهشتي هو خروج الكثير من قليلي القراءة وتبجحهم بكلمات من علماء تطورون همهم الكذب لإثبات أيدلوجيتهم - مثل الأفاك داوكنز، الذي يمقته التطوريون أنفسهم - وكأنها حقائق مثبتة، وهم حقيقة مثل أصحاب أي ديانة، والله لا يعرفون ما يقرؤون، ولا يفهمون، فقط ببغاءات تردد وتعيد، وأنا متضايق من هذا الوصف في كتاباتي، لكن ما أراه مدهش لدرجة الحيرة.
  8. تطرق داروين لفصل كامل بمشاكل خاصة بنظريته، وصعوبات استثنائية مرتبطة بنظرية الانتقاء الطبيعي، وصعوبات متنوعة في مجالات شتى، وكل هذه الصعوبات سقطت سقوط كامل، بل حتى تشارلز نفسه يدعونا إلى استعمال العقل في هذه الجزئيات، ويرفض البنيان بشكل بدائي همجي على نظريته لمجرد وجود خلفيات الحادية أو أيدلوجية، بل وأحيانا يتحدى العلماء بأن يأتوا بدليل في موضوع ما يقف ضد نظريته!، وهو ما يدعوك للدهشة للمرة السبعطش في طريقة تفكير أتباع نظرية التطور، حيث لا يجوز لنا تسميتهم أتباع داروين، لأنه كان بعيد كل البعد عنهم.
  9. في عهد داروين كانت الكثير من الحقائق العلمية التي نعرفها اليوم غير واضحة لديه، وهو ما يظهر جليا في كتاباته، فمثلا في أيامه كان يتم النظر للخلية أنها فقاعة من الماء والمواد العضوية، ولم يكن العلماء يعرفون شيئا عنها على الإطلاق، لذلك كان من المنطقي ظهور أفكار بسيطة عن التطور كهذه، لكن في زماننا من السذاجة الفائقة القبول بأفكار التطور في ظل ما توصل إليه العلم، مثال آخر - لا الحصر - كان يعتقد أن الكائنات بدأت في الماء ثم انتقلت لليابسة بسيب وجود نسب متفاوتة من الأملاح في دمائها ( وهو الدليل الذي يستندون إليه )، لكن العلم منذ القرن العشرين أثبت أن هذه الأملاح أساس عمل الدورة الدموية والخلايا في الجسم، أي طالب له علاقة بأي تخصص طبي، مثلا تمريض، تحاليل طبية، علاج طبيعي، وغيرهم، لا أقول طبيب، بل أٌقول تخصصات ذات مواد طبية تشريحية أقل، يعلم أن العملية التي تلعبها الأملاح في كل عمليات الخلايا، وخصوصا عمل القلب فائقة التعقيد ، ولعلي أذكر مرة دكتورنا لفسيولوجي القلب حينما سألنا بعد أن شرح لنا ميكانيزم معقد كثيرا في كهرباء القلب وقال: فاهمين؟ والطلاب أجابوا نعم وهم ليسوا كذلك، فما كان من الدكتور إلا أن قال، أنا نفسي غير فاهم الميكانيزم بشكل كامل، فكيف أنتم فهمتموه! أنا مجرد شرحته لكم حسب ما قدرت أحصل منه، وهو دكتور مختص في هذه المادة. وحقيقة كلما أراجع الكتب الطبية وأصل لفصل كهرباء القلب والخلايا، يصيبني الاحباط من صعوبة فهم العملية بشكل كامل.
  10. يتحدث داروين عن موضوع الجمال، وهو موضوع فلسفي أكثر مما هو علمي، ويحاول جاهدا الدفاع عن فكرته بأن الجمال نتاج الانتقاء الطبيعي، وليس بصمة للمصمم المبدع الذي خلق الجمال وجعل الإنسان يتذوقه، وكذلك الحيوانات تراه، ولكنه يستسلم مكره أحيانا لفكرة أن الجمال الحالي في الكائنات لا يمكن تفسيره بطرق التطور والانتقاء التي نفهمها، وهذا بنظري من أكثر الفصول التي أتعبت داروين، لأن التفكير فيها لا مخرج علمي فيه على الإطلاق، والفكرة متشكلة في عقل داروين حسبما أتوقع، لكنه يكره أن يجهر بها للعلن.

هذا المدخل الفلسفي لهدم نظرية التطور أتعجب من وجوده في زمان داروين، ولكن لو كان داروين في زماننا هذا، لدهش من عدد المداخل الفلسفية المتعددة لهدم التطور جملة وتفصيلا.

  1. حادي عشر: من الأمور الجلية في كتاب داروين، أنه لا يعرف شيء عن علم الوراثة ومبادئها، وهذا شيء بديهي، فعلوم مندل قد تم البدء بدراستها في بداية القرن العشرين، أي بعد داروين ب50 عام بالمتوسط، وهو ما يجعل كثير من كتاباته عن الجينات ونسخها وتكوينها وانتقالها إلى الأبناء شيء لا يعجب طلاب الإعدادية في زماننا، فما بالكم بالمختصين.
  2. في فصل الغرائب، يجعل داروين القارئ يضحك، حيث يعرض داروين حقائق عن الخلق الحالي ومدى دهشة العالم من إبداع الخالق ( مثل الحواس والغرائز )، لكنه لا يجيب عن أي شيء من هذه الابداعات بطريقة علمية، بشكل يدعو للاستغراب تارة، والضحك تارة أخرى من التفكير الساذج في تفسير بعض الأمور.
  3. ما زال داروين لا يستطيع تفسير ما ظهر في العصر الكمبري ( الانفجار الكمبري ) والعلماء ما زالوا يقولون أن ما حدث في الانفجار الكمبري هو خلق مباشر للكائنات، وليس تطور، حيث الأنواع ظهرت فجأة وبالآلاف، أما داروين يفترض فرضيات مستقبلية أو ضعيفة حول سجل المستحاثات بدون جدوى، بل ويستشهد أحيانا أن هذا حقيقة يؤيد نظريته بشكل غريب!.
  4. يتكلم داروين عن الدين، وأن المتدينين يجب أن يقبلوا النظرية وألا يقفوا في وجهها، كما فعل علماء الدين سابقا، وهو ما يكون صحيح، لكن ليس في الدين الإسلامي، حيث لم يعترض إلا القلة القليلة على الاكتشافات العلمية، وهم مجرد مجموعة من الناس البعيدة كل البعد عن فهم الدين.
  5. يتحدث داروين بإشارات بسيطة إلى أن الحياة قد تكون خلقت، لكنها تطورت، وقد تمايزت الكائنات لاحقا عن طريق التهجين المتبادل للأنواع الحية، وأن نعم مثل العقم قد أوجدها الله لدحر الضروب القديمة .. إلخ، وهنا أشير إلى أن هذا باعتقادي مكر من داروين للعب على الحبلين. وأشير أيضا إلى أن هذه الأفكار مثل العقم وتحسين النسل، قد أدت لاحقا إلى اليوجينا، والتي بدورها قلت عشرات الملايين في القرن العشرين وخصوصا الحرب العالمية الأولى والثانية.

 

أتمنى ألا يقرأ أحد كتاب أصل الأنواع، لأن فيه إضاعة للوقت، وأن يقرأ كتب أكثر حداثة، ففيها الكثير من المتعة، ولعلي أطرح ترجمة أحدها قريبا، وبالتوفيق للجميع.