مهزلة العقل البشري

عزيزي العقل الكبير، العقل الكامل، العقل المستنير بالحقيقة المطلقة، أنت لست إلا مهزلة كبرى، دعني أخبرك عن حقيقتك الغائبة عنك، حتى لا تنسى نفسك، دعني أذكرك بحدودك.

ما أنت إلا نظام ناقص، لديه حدود لا يستطيع أن يتخطاها، لديه طريقة عمل ما لا يستطيع أن يخرج عنها، لا يستطيع التفكير خارج القواعد التي برمج عليها، امكانياتك محددة مسبقا في شيفرة جيناتك البرمجية، لا تستطيع الإتيان بشيء خارج عما أراده لك صانعك من الأساس، أنت ضعيف جدا، وسأبرهم لك على ذلك:

السياقات المعرفية والثقافية تحدد تفكيرك، وكلمة واحدة، موقف بسيط، يجعلك تغير تفكيرك بالكامل، يقلبك رأسا على عقب، يجعلك تهدم كل معتقداتك وما كنت تنوي فعله، لا يمكنك التفكير خارج حدودك، هل تستطيع التفكير في شيء لا يمكنك فهمه أو تخيله؟ إن طريقة تفكيرك أساسا تعتمد على التفكير الاستعاري، فلو قلت لك عصفور، لتفهم كلمة عصفور يجب أن تتخيله، ولو قلت لك ناعم، ستتخيل قطعة قماش ناعمة أو ما شابه، أما لو قلت لك شنكون، فلن تستطيع فهم الكلمة الا إذا ربطتها لك بأشكال تعرفها، حتى الكلمات المجردة، حينما أقول لك وقت أو ساعة، ستتخيل ساعة حائط أو ساعة يد أو ما شابه، لا تستطيع فهم الأمور إلا إذا تخيلتها في عقلك بشكل ما، وهذا نقص تام لديك في فهم الأمور من حولك، لن تستطيع بناء قرارات أو السير في خطوات، إلا إذا استطعت أن تتصور المعطيات بصور انطباعية مسبقة، تجعلك تحيط قليلا بالأمور لتتخذ قرارات، ولن تشعر بالراحة إلا إذا بنيت إجابات للأسئلة التي في عقلك ولو لم تكن منطقية لكي تكمل الأحجية كما يتصورها هذا العقل الهزيل ليطمئن نفسه أنه يرى الصورة كاملة في أوج سطوعها.

ما نراه بديهيا من أفكار في حياتنا، لم تستطع طوال قرون أن تصل إليه رغم وجودك في أدمغة كبار الفلاسفة، هذا يعني أنك لا تستطيع البناء من الصفر، بل أنت تستطيع التفكير فقط في إطار المتاح حولك من معطيات ومحاولة المفاضلة بينها والتحديث قليلا عليها، أما أن تبتكر شيء من الصفر يكون كامل، لا يمكنك ذلك، لأن هذا خارج قدراتك البسيطة.

 

لا تستطيع استرجاع الذاكرة كما تريد، ذاكرتك مقاطع متفرقة مبهمة، ليست مترابطة، لا تستطيع كالكمبيوتر استدعاء أي مقطع على حدة بوتيرة ما، فعليا ذاكرتك ضعيفة وقابلة للاختراق، يمكن التأثير عليها وخداعها لكي تتخيل أمور حصلت وهي لم تحصل، أنت حقيقة لا تستطيع أن تجزم بأي أمر في حياتك بشكل قطعي، فكل حياتك مبنية على ذاكرتك، ولو سحبنا ذاكرتك لا وجود لك، ما الذي يربطك في هذا العالم؟ ما الذي يجعله موجودا أصلا؟ ما الذي يكون إدراكك من حولك؟ فكر قليلا وستجد أنه موجود في داخلك أيها العقل، ولو تم مسح ما فيك لما كان لكل حياتك معنى، ولما كان لهذه الأسطر معنى أو لما يحيط بك معنى، كل حياتك مرتبطة بما تخزنه، ولا يمكنك فهم ما حولك بدون الذاكرة، أساسا أنت لا تستطيع فهم ما حولك الا بما يصل إليك عبر حواسك وهي ما تبني لك ذاكرتك الناقصة، عالمك موجود كما تريد أن تراه أنت فقط، ولو كان لديك خلل بنيوي مثلا كعمى الألوان سترى العالم بالشكل الذي بناه عقلك، أي أن لو لديك حاسة ناقصة التمام، سيكون استيعابك لهذا العالم ناقص بمقدار نقص حواسك، ولو كان لديك خلل في البنية أو الهرمونات وسبب لك الجنون مثلا، سترى العالم وستفهمه من خلال هذه الفكرة فقط، فأرجوك لا تدعي لنفسك الكمال وفهم الحقيقة المطلقة وأنت ترى العالم بحدودك، ببنيتك، بجيناتك، بخللك الهرموني، أنت حقيقة لا تستطيع أن تجيب عن إجابات بسيطة، وتسميها الأسئلة العظمى، ما الهدف من حياتك، ماذا يعني الموت، ماذا بعد الموت، ماذا سيحصل غدا، لماذا حياتي لا أتحكم بها، لماذا هي بهذا الشكل، ... إلخ، إنك تبحث عن ذاتك منذ يوم وعيك، وحتى يوم مماتك، ولا تعلم هل ستجدها في ذلك اليوم أم لا، ولن تستطيع أن تجزم بهذا أيضا.

برأي أن صانعك وضع هذه العقبات والدوال البرمجية الغير كاملة، الناقصة، لكيلا تنسى نفسك، لكيلا تبقى معتقدا أن ملكت الدنيا أيها الخبير، وأنك صاحب الصواب المطلق، والقرارات التامة والتفكير الكامل، فتواضع أرجوك وتقبل آراء غيرك، وكن من العارفين بعيوبهم.